مراعاة التدرج
إن النفس البشرية تألف الاعوجاج والتمرد, فإذا باشرتها بالإصلاح دفعة واحدة, فإن ذلك قد يشق عليها ويعتبر مصادمة لها, ومن ثم فلا بد من التدرج معها حتى تقبل الإصلاح وتستجيب له, ولعلنا نلحظ التدرج فيما يتصل بنزول القرآن الكريم نفسه الذي لم ينزل دفعة واحدة، وإنما نزل مفرقًا، وفي ذلك يقول الحق -جل وعلا-: ((وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)) [الإسراء: ١٠٦] وهكذا نزل القرآن الكريم منجمًا على حسب الحوادث والنوازل؛ ليعالج بنزوله أمراض النفس البشرية مرضًا مرضًا, وليلقى بها في سلم الكمال الإنساني درجةً درجةً، وليمضي بالمجتمع نحو الكمال خطوةً خطوةً، ومن ثم تثبت قيمه وتعاليمه في قلوب الناس، وعقولهم ويعيشونه واقعًا ملموسًا يحيى فيهم وبهم، ولو نزل عليهم القرآن دفعة واحدة؛ لثقلت عليهم التكاليف، ولنفرت قلوبهم عن قبول ما فيه من الأوامر والنواهي، وصدق الله إذ يقول: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)) [الفرقان: ٣٢، ٣٣].
لقد فطنت إلى ذلك السيدة عائشة -رضي الله عنها- عندما قالت: "إنما نزل من القرآن أول ما نزل سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا" وفي قولها -رضي الله عنها-: "إنما نزل أو ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار" إشارة إلى أمور العقيدة التي تقوم على الإيمان بالله تعالى وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من جنة ونار، ونلحظ هنا أمرين.