١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


مفهوم الحكمة في اللغة

الحكمة في اللغة مصدر حكم أي: صار حكيمًا: وهو مأخوذ من مادة الحاء والكاف والميم التي تدل على المنع، أو المنهج الإصلاحي ومنه الحكم بمعنى المنع من الظلم، وحكمت اللجام؛ لأنها تمنع الدابة عما ر يريده صاحبها، والحكمة؛ لأنها تمنع من الجهل.
وفي (المصباح المنير): الحكم القضاء، وأصله المنع يقال: حكمت عليه بكذا، إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال، وأحكمت الشيء أتقنته فاستحكم، هو صار كذلك، ويقول الجوهري: الحكم مصدر قولك حكم بينهم يحكم أي: قضى ويقال حكم له أو عليه، والحكم أيضًا الحكمة المانعة من الجهالة، والحكيم العالم والحكيم صاحب الحكم والحكيم المتقن للأمور، وقد حكم أي: صار حكيمًا قال النمر بن تولب:
وأبغض بغيضك بغضًا رويدًا إذا أنت حاولت أن تحكمَ أي: إذا حاولت أن تكون حكيمًا، ويقال :أحكمت الشيء فاستحكم أي: صار محكمًا، ويقال: أيضًا حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يده.
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبَ
ويقال: حكمت الرجل تحكيمًا إذا منعته مما أراد، ويقال: حكمته في مالي إذا جعلت إليه الحكم فيه، واحتكموا إلى فلان وتحاكموا بمعنى أي :تخاصموا إلى الحاكم.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


قال جرير:
والمحكَّمُ: هو الشيخ المجرب المنسوب إلى الحكمة، واستحكم الرجل إذا تناهى عما يضره في دينه ودنياه، وقال الراغب في مفرداته: الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل.

مفهوم الحكمة في الاصطلاح

معنى الحكمة في الاصطلاح: عرف العلماء الحكمة تعريفات كثيرة تبعًا لتعدد المعنى اللغوي؛ فقال ابن الأثير في (النهاية) الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وقال الكفوي: الحكمة عند العلماء: هي استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها، وقال بعضهم: هي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله بقوله تعالى: ((وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)) [البقرة: من الآية: ٢٦٩] وقد ذكر التهانوي وابن حجر وغيرهما للحكمة تعريفات عديدة، تختلف باختلاف نوع الحكمة من ناحية، واختلاف من يتناولها من العلماء من ناحية أخرى.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


من هذه التعريفات ما يلي: أولًا: عند المفسرين قال ابن عباس -رضي الله عنهما- الحكمة: هي المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومتأخره وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وقال قتادة: الحكمة في القرآن، وقال زيد بن أسلم الحكمة العقل في الدين، وقال التهانوي: الحكمة معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، وهو التكاليف الشرعية.
أمَّا عند المحدِّثين: فقد قال ابن حجر واختلف في المراد بالحكمة، فقيل: الإصابة في القول وقيل: الفهم عن الله -عز وجل- وقيل ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك.
أمَّا عند الفقهاء؛ فقد قال الإمام مالك: الحكمة: هي الفقه في دين الله تعالى، وأمر يدخله الله في القلوب، من رحمته وفضله، مما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا، إذا نظر فيها وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا.
فالحكمة: الفقه في دين الله.
أمَّا عند أهل السلوك فقد نقل التهانوي تعريف أهل السلوك للحكمة: بأنها معرفة آفات النفس والشيطان والرياضات.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


أما عند علماء الدعوة الإسلامية؛ فيراد بالحكمة في باب الدعوة: أن يكون الداعية فاهمًا لقصده، عارفًا بأفضل الطرق المؤدية إلى الغرض على خير وجه، وأن يكون عالمًا بقواعد الدعاية بالنسبة لكل نمط، وطائفة من طوائف المدعوين.
وقيل: إنها تعني النظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم الداعية في كل مرة، حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة، والاندفاع والغيرة فيجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه، وهذا ما يتصل بتعريف الحكمة في الاصطلاح.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


الحكمة في جانب الداعية

الحكمة في ميدان الدعوة إلى الله -عز وجل- ونجد هنا جانبين لا بد أن نتحدث فيهما.
أولًا: الحكمة في جانب الداعية.
ثانيًا: الحكمة في جانب الدعوة.

أمَّا: بالنسبة للحكمة في جانب الداعية؛ فإننا نقول: إن الحكمة في جانب الداعية تقتضي أن يكون بالغًا درجة عالية من الكمال في جانبين، هما: أولًا: الجانب الأخلاقي، والسلوكي، وثانيًا: الجانب العلمي والثقافي بحيث يكون الأول -وهو الجانب الأخلاقي والسلوكي- متصفًا بكل الصفات الإسلامية، التي تزكي سلوكه وتسمو بأخلاقه بما ينعكس إيجابيًّا على دعوته، ويكون بالثاني -أي: بالجانب العلمي والثقافي- واسع العقل والإدراك، ملمًّا بكل ما يتصل بعلوم الدين تفصيلًا، وعلوم الدنيا إجمالًا فيكون بذلك داعية إلى الله تعالى مستكملًا لكل جوانب الدعوة السلوكية والقولية.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


الحديث عن الجانب السلوكي والأخلاقي

وسنبدأ أولًا: بالحديث عن الجانب السلوكي والأخلاقي:
فالجانب السلوكي والأخلاقي المستمد من منهج الإسلام الحنيف، بالنسبة للداعية من أهم الجوانب التي تبعث على الحكمة، مما ينعكس على دعوته؛ ويؤدي إلى تأثيره في المدعوين، ونعني بالجانب السلوكي والأخلاقي هنا التزام الداعية بأخلاق الإسلام، وضبط سلوكه وفق منهجه.
فالداعية مبلغ عن الله تعالى منهج الحق الذي أنزله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليهتدي الناس إليه وينتفعوا به، فيلزمه هو أولًا أن ينتفع به، وأن يطبقه على نفسه قبل دعوة الناس إليه؛ حينئذ تنجح دعوته وتؤتي ثمارها، وإلا فشلت دعوته وذهبت جهوده في ذلك أدراج الرياح، ولا شك أن أخلاق الداعية: هي أخلاق الإسلام التي بينها الحق -جل وعلا- في قرآنه، والتي فصلها رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته وعاشها واقعًا ملموسًا في سيرته، وانصبغ بها صحابته الكرام في سلوكهم، وهي: لازمة في كل مسلم، لكنها في حق الداعية ألزم.
ومن هذه الأخلاق: الصدق والصبر والإخلاص، والحياء والتواضع والإيثار، وهي كلها صفات لازمة للدعوة إلى الله -عز وجل- لا بد أن يتصف بها الداعية قبل أن يدعو؛ حتى ينجح في دعوته، وحتى يؤثر في مدعويه.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


الحكمة في جانب العلمي والثقافي

وأمَّا الجانب الثاني الذي تقتضيه الحكمة في جانب الداعية: فهو الجانب العلمي والثقافي:
ولا شك أن الجانب العلمي والثقافي أمر في غاية الأهمية في تكوين الداعية؛ إذ أن المعرفة المحيطة بعلوم الإسلام المختلفة، وحسن الفهم لمبادئه وتعاليمه، والإحاطة الكاملة بمقاصده وأهدافه، كل هذه ركائز أساسية ينطلق من خلالها الداعية في مجال الدعوة.
ولا ينبغي أن نتخيل داعية أصلًا -فضلًا عن أن نتوقع نجاحًا لدعوته- وهو لم يحقق من هذا الجانب القدر الذي يمكنه من هداية الناس إلى منهج الله تعالى.
فالداعية يجب أن يكون على علم بما يدعو الناس إليه، وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه، فإذا فقد هذا العلم اللازم كان جاهلًا، ووقع في الخبط والخلط، والقول على الله ورسوله بغير علم؛ فيضر من حيث يريد النفع، ويفسد من حيث يريد الإصلاح، ومن ثم كان شرط الدعوة أن تكون على بصيرة؛ قال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ)) [يوسف: ١٠٨] والآية الكريمة تشير إلى أن الدعوة إلى الله تعالى هي مهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما أنها مهمة أتباعه من المسلمين، يقومون بها على بصيرة، أي: علم محيط بمنهج الإسلام الذي يدعون إليه، وبطبيعة المدعو الذي يدعونه، وبمناهج الدعوة، وأساليبها المناسبة لكل مدعو، وتلك هي البصيرة التي بها تثمر الدعوة وتنجح، وبدونها تكون قليلة الغناء لا جدوى لها، ولا فائدة منها بل قد تأتي بنتيجة عكسية، فيكون الداعي حينئذٍ عبئًا على الدعوة، وسببًا في ضعفها وانتكاسها، ومن ثم فإن الجانب العلمي والثقافي الذي يجب على الداعية أن يحققه، له ثلاثة اتجاهات:


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


أولًا: العلم بالإسلام

ونعني به: أن يكون لدى الداعية معرفة محيطة بالجوانب المختلفة للإسلام، الذي يمثل موضوع الدعوة على أن تكون هذه المعرفة يقينية عميقة، لا سطحية مضطربة، وان تكون أصيلة موثقة تستمد من مصادر الإسلام المعتدلة، وينابيعه الأصيلة بعيدًا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وأن تكون هذه المعرفة شاملة لطبيعة الإسلام وخصائصه ولأسسه، ومبادئه ولأهدافه ومقاصده كما يجب أن تكون هذه المعرفة محيطة متنوعة تشمل الثقافة المتصلة بالقرآن. كما تشمل السيرة النبوية وأحداثها، والسنة النبوية وعلومها والفقه وأصوله، كما تشمل علوم العقيدة والتصوف، وكذلك الأخلاق والتاريخ الإسلامي، واللغة العربية وكذلك النظم الإسلامية الشاملة لجوانب الحياة المختلفة، اقتصادية وسياسية واجتماعية.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


ثانيًا: العلم بحال المدعو

فالداعية يخاطب بدعوته ناسًا ليسوا على طبيعة واحدة، بل متفاوتون مختلفون لكلِّ شخصيته واتجاهه، وتكوينه الفكري والثقافي والاجتماعي والنفسي، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة المختلفة في قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)) [هود: من الآية: ١١٨، ١١٩].
ومن ثم فللناس طبائعهم المختلفة، واتجاهاتهم المتباينة لكلٍ طريقة تفكيره وأسلوب حياته، وحدود عقله وطبيعة نفسيته؛ فمنهم المثقف ومنهم غير المثقف، منهم الجاهل ومنهم المتمرد، ومنهم العنيد، ومنهم صاحب الاتجاه العقلي، ومنهم صاحب الاتجاه العاطفي، ومنهم الحضري ومنهم البدوي، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم المنافق... إلى آخر مظاهر الاختلاف المتعددة المتنوعة.
ولا شك أن دراسة علم النفس هنا مما يعين الداعية على فهم نفسية من يدعوه من الأفراد، والجماعات ودراسة اهتماماتهم، وما يؤثر في نفوسهم؛ ليخاطبهم على قدر عقولهم ويعطيهم بقدر ما يقبلون ويطيقون، دون أن ينفرهم أو يثقل عليهم، أو يجلب لهم الملل والسآمة.
وحكمة الداعية تتمثل في أن يتعامل مع كل صنف من المدعوين بما يلائمه من الأساليب الدعوية، التي تمثل المفتاح المناسب لشخصته، وتكون أرجى في الوصول إلى نفسيته، والتأثير والتأثير في عقله، وهذا يقتضي بطبيعة الحال العلم بالمناهج والأساليب، التي تمثل بدائل مختلفة يختار منها الداعية ما يناسب المدعو.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


ثالثًا: العلم بمناهج وأساليب الدعوة

ليس للدعوة منهج واحد، أو أسلوب واحد يستعمل مع كل الناس، لا تعرف الدعوة سواه؛ بل إن لها مناهج مختلفة وأساليب متباينة، فهناك المنهج العقلي، وهناك المنهج العاطفي، وهناك المنهج الحسي.
ومن الأساليب: هناك أسلوب الموعظة الحسنة، وهناك أسلوب الجدل والمناظرة، وهناك أسلوب المحاكمات العقلية والأقيسة بجميع أشكالها، وهناك كذلك أسلوب الرحمة، واللين... إلى آخره.
ومن أهم مظاهر الحكمة بالنسبة للداعية: أن يحيط بكل مناهج وأساليب الدعوة، وأن يدرسها دراسة واعية؛ ليختار أنفعها وأكثرها تأثيرًا في المدعو، ولا ريب أن مما يقدح في حكمة الداعية أن يستعمل مع أحد المدعوين أسلوبًا لا يناسبه؛ لجهله بالأسلوب المناسب، أو لعدم فهمه لطبيعة المدعو، والناظر في واقع المجتمع الإسلامي الآن، يجد أن كثيرًا من الجهود التي تبذل في ميدان الدعوة إلى الله تعالى، تذهب هباءً بسبب عدم استعمال المنهج، أو الأسلوب الذي يناسب المدعو، بل إن كثيرًا ما تأتي هذه الجهود بنتيجة عكسية، وكأن الداعي إلى سبيل الله تعالى بذلك قاطع لهذا السبيل، صادُّ عنه، منفر منه.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


الحكمة في جانب الدعوة

أمَّا الجانب الثاني -من جوانب الحكمة-: فهو الحكمة في جانب الدعوة إلى الله -عز وجل- وهنا نلحظ ملامح للحكمة في طبيعة الدعوة، يمكن أن نجملها فيما يأتي.

أولًا: ترتيب الأولويات

ولا شك أن قضايا الدين ليست كلها على درجة واحدة، من حيث الأهمية والأولوية، بل إن منها الأهم والمهم، والأقل أهمية، وذلك من جهة ضرورة التبليغ والدعوة، ومنها ما يأتي في المقدمة ومنها ما يقبل التأجيل لمرحلة لاحقة، وحكمة الداعية هنا تقتضي ترتيب الأولويات في خطته، ذلك أن للدعوة أصولًا وفروعًا، وفيها كليات وجزئيات، وفيها قضايا كبرى، وقضايا صغرى؛ فيقدم الداعية أمور العقائد على غيرها من العبادات والأخلاق، ويقدم الفروض على المندوبات والنوافل، والمحرمات على المكروهات، والمصالح العامة على المصالح الخاصة عند التعارض، ويقدم الضروريات على الحاجيات والتحسينيات، ودرء المفاسد على جلب المصالح... وهكذا.



١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


والناظر في الواقع العملي للدعوة الإسلامية، وتطورها في صدر الإسلام الأول، يلمح بوضوح مراعاتها للأولويات فلقد بدأت الدعوة الإسلامية أولًا بتأسيس العقيدة في قلوب الناس، وظل هذا هدف الدعوة الإسلامية طوال العهد المكي، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام وترسخت العقيدة في قلوبهم، انتقلت الدعوة إلى بيان الشريعة والأحكام، وحتى هذه المرحلة لم تشتمل دفعة واحدة على كل ما يتصل بالتشريعات الجزئية، والأحكام التفصيلية، بل بدأت أولًا ببيان أصول التشريع العامة، وأحكامه الكلية، وكان ذلك في أواخر العهد المكي.
ولمَّا هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون إلى المدينة، وقامت دولة الإسلام هناك بدأ التشريع يتجه نحو التفصيل والتوسع، ولما بعث -النبي صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم...)) إلى آخر الحديث.
وفي هذا الحديث الشريف نلمس مراعاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأولويات الدين، والتي يأتي في مقدمتها شهادة أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، والتأكيد على ملاحظة هذه الأولويات عند الدعوة إلى الله تعالى، ومن ثم فإن حكمة الداعية تقتضيه في البداية، أن يُعرّف الناس بربهم تعريفًا شاملًا، فيعرفهم بذاته وبصفاته -عز وجل- ويعرفهم بخصائص الإلوهية، التي تفرقها عن خصائص العبودية، كما يعرفهم بآثار هذه الإلوهية في الكون وفي الإنسان، وإن من شأن هذه المعرفة، إذا انشرح لها صدر المدعو، ورسخت في عقله وضميره، أن تهيئه إلى مرحلة أخرى يتلقى خلالها أحكام التشريع بالقبول والتنفيذ، وهذا هو الملمح الأول من ملامح الحكمة في جانب الدعوة إلى الله عز وجل.

١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


مراعاة التدرج

إن النفس البشرية تألف الاعوجاج والتمرد, فإذا باشرتها بالإصلاح دفعة واحدة, فإن ذلك قد يشق عليها ويعتبر مصادمة لها, ومن ثم فلا بد من التدرج معها حتى تقبل الإصلاح وتستجيب له, ولعلنا نلحظ التدرج فيما يتصل بنزول القرآن الكريم نفسه الذي لم ينزل دفعة واحدة، وإنما نزل مفرقًا، وفي ذلك يقول الحق -جل وعلا-: ((وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)) [الإسراء: ١٠٦] وهكذا نزل القرآن الكريم منجمًا على حسب الحوادث والنوازل؛ ليعالج بنزوله أمراض النفس البشرية مرضًا مرضًا, وليلقى بها في سلم الكمال الإنساني درجةً درجةً، وليمضي بالمجتمع نحو الكمال خطوةً خطوةً، ومن ثم تثبت قيمه وتعاليمه في قلوب الناس، وعقولهم ويعيشونه واقعًا ملموسًا يحيى فيهم وبهم، ولو نزل عليهم القرآن دفعة واحدة؛ لثقلت عليهم التكاليف، ولنفرت قلوبهم عن قبول ما فيه من الأوامر والنواهي، وصدق الله إذ يقول: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)) [الفرقان: ٣٢، ٣٣].
لقد فطنت إلى ذلك السيدة عائشة -رضي الله عنها- عندما قالت: "إنما نزل من القرآن أول ما نزل سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا" وفي قولها -رضي الله عنها-: "إنما نزل أو ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار" إشارة إلى أمور العقيدة التي تقوم على الإيمان بالله تعالى وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من جنة ونار، ونلحظ هنا أمرين.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


الأمر الأول: رعاية القرآن الكريم للتدرج في تطبيق الأولويات، فجعل أمور العقيدة في المقدمة، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، ورسخ الإيمان به في قلوبهم، نزل الحلال والحرام كمرحلة تالية؛ فيكون أدعى إلى إذعان المسلمين واستجابتهم.
وأما الأمر الثاني: فهو ضرورة هذا التدرج؛ إذ يترتب على عدم رعايته استهانة الناس بأمر الدعوة، وعدم قبولهم لمنهج الإسلام في الحلال والحرام، وهو ما عبرت عنه السيدة عائشة -رضي الله عنها- من قولهم: لا ندع الخمر أبدًا، وقولهم: لا ندع الزنا أبدًا، وفيه إشارة إلى منتهى التمرد الذي يترتب على عدم ملاحظة التدرج، وتطبيقه في الدعوة إلى الله -عز وجل.

١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


مراعاة المناسبة

وأما الملمح الثالث -من ملامح الحكمة في جانب الدعوة إلى الله تعالى-: فهو مراعاة المناسبة: وهو ملمح لا ينبغي للدعاة إغفاله؛ إذ يرتب عليه إقبال المدعو وتقبله للدعوة وتأثره بها، أو انصرافه عنها وملله منها, فالداعية يترقب الفرصة الملائمة, ويتحين الوقت المناسب؛ فيلقي دعوته والقلوب مقبلة، والعقول نشيطة والنفوس راغبة مستعدة؛ وإلا أمسك عن الناس دعوته. وها هو عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "إن للقلوب شهوة وإقبالًا، وفترة وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها، وإدبارها" وقد كان -رضي الله عنه- يذكر الناس كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال: "أما إنه يمنعني من ذلك أن أكره أن أملكم"فهو لا يمتنع من ذلك تقصيرًا أو شعورًا بكثرة ما يلقيه كل خميس، لا، إنما الذي يمنعه من ذلك هو كراهية أن يملوه، وإني وهو: قول عبد الله بن مسعود وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.



١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو من أرسله ربه لدعوة الناس إلى الله، وهدايتهم إلى طريق الخير والصلاح، لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم، يتحدث في أمر الدعوة في جميع الأوقات، دون مراعاة لأحوال الناس، بل كان يتخير لها الوقت المناسب، حيث تكون الآذان صاغية، والقلوب مقبلة راغبة؛ فتقع الدعوة منهم بمكان، ومن ثم تجد طريقها إلى سلوكهم وواقعهم،وإلا ملوها ورغبوا عنها، ولم يلتفتوا إليها، ولا شك أن إقبال الناس في رمضان، يختلف عنها في غير رمضان، ففي رمضان تأتي الجموع الحاشدة إلى المساجد مقبلة على العبادة، متأهبة لسماع الموعظة؛ لتعطي أعظم مناسبة للدعاة المخلصين؛ ليعرضوا دعوتهم، كذلك الحال في موسم الحج، وفي المناسبات الإسلامية المختلفة كالعيدين، والإسراء والهجرة النبوية، وكذلك في الأحداث المتجددة, كوقائع الأفراح وحلول المصائب والشدائد، وغيرها؛إذ في مثل هذه الأحوال تكون المناسبة مهيأة، والفرصة مواتية لعرض الدعوة إلى الله -عز وجل- والتأثير في الناس، وحملهم على الخير وإبعادهم عن الباطل؛ على أن مراعاة المناسبة، كما تعني تحين الوقت المناسب للدعوة تعني، كذلك تخير الأسلوب الدعوي المناسب للموقف فما يقال في الأفراح يختلف عما يقال في الأتراح، وما يقال: في الشدة غير ما يقال في الرخاء، كما أن للترغيب موطنًا يغاير موطن الترهيب، فمن غلب عليه الخوف مثلًا يستخدم معه أسلوب الترغيب والرجاء، ومن غلب عليه الرجاء والأمل يستخدم معه أسلوب الترهيب والتحذير، وهكذا.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


ومن ثم اختلف أسلوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الأعرابي الذي جاء مسترخصًا سائلًا: عن الواجبات والفرائض، ثم قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، اختلف موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- مع هذا الأعرابي عن موقفه مع فقراء المسلمين الذين جاءوا يستزيدون من الخير، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور.
كما اختلف أسلوبه -صلى الله عليه وسلم- في الجهر بالدعوة، عن أسلوبه حال الاختفاء في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وموقفه في غزواته عن موقفه يوم صلح الحديبية، وهكذا تختلف المواقف باختلاف المناسبات، والدعوة إلى الله -عز وجل- في كل مناسبة تأتي ملائمة موافقة لطبيعة المناسبة؛ حتى تقع من الناس موقع القبول والتأثير.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


رابعًا: مراعاة طبيعة المدعو

فطبائع الناس مختلفة، وأساليب تفكيرهم متفاوتة، واستعداداتهم لقبول ما يعرض عليهم من أمر الدعوة متباينة، وهذا يقتضي؛
أولًا: فهم المدعو ومعرفة طبيعته.
وثانيًا: اختيار الأسلوب الأمثل في دعوته، والحكمة: هنا تقتضي مراعاة هذين الأمرين بدقة شديدة، فأي تقصير في ذلك يضيع ثمرة الدعوة، ويذهب بالجهود المبذولة في سبيلها أدراج الرياح، ومن ثم فليس من الحكمة استعمال أسلوب واحد في دعوة المختلفين في أعمارهم، أو نفسياتهم، أو آفاق تفكيرهم، أو أنماط سلوكهم، أو مواقفهم من الحياة والأحياء؛ فيساوى مثلًا بين الصغير والكبير، أو بين المرأة والرجل، أو بين الرجل الشرقي والرجل الغربي، أو بين العالم والجاهل، أو بين العدو والصديق، أو بين الحاكم والمحكوم إلى آخر هذه المواقف التي تتباين فيها أساليب الدعوة من أسلوب إلى أسلوب، أو من موقف إلى موقف.

١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


ولقد كان الإمام البخاري -رحمه الله- فطنًا، حين عقد في صحيحه بابين متتالين، ترجم لأحدهما بقوله: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقع في أشد منه" وذكر فيه حديثًا عن الأسود بن يزيد: الذي قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة، قلت: قالت لي: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عائشة لولا قومك حديثٌ عهدهم -قال ابن الزبير- بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين باب يدخل الناس، وباب يخرجون)) فلم يكن يناسب الناس وقتئذٍ نقض النبي -صلى الله عليه وسلم- للكعبة، وجعل بابين لها، أحدهما لدخول الناس، والآخر لخروجهم؛ لأن عقولهم لم تكن لتستوعب مثل هذا الفعل وتتفهمه.
قال ابن حجر: وفي الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًّا؛ فخشي -صلى الله عليه وسلم- أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها؛ لينفرد عليهم بالفخر في ذلك. وأما الباب الثاني فقد ترجم له البخاري بقوله: باب "من خص بالعلم قومًا دون قوم؛ كراهية ألا يفهموا" وذكر فيه أثرًا وحديثًا بروايتين.
أما الأثر: فقول علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله" وأما الحديث: فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لمعاذ بن جبل: وهو رديفه على الرحل قال: ((يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس؛ فيستبشروا قال: إذًا يتكلوا)) وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا أي: خشية الوقوع في الإثم؛ بسبب كتم العلم.


١.١ مفهوم الحكمة في الدَّعوة


ونأخذ من ذلك أنه ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال لشخص يقال لغيره، وليس كل ما يقال في بيئة يصلح أن يقال في غيرها، وليس كل ما يصلح قوله في زمن، يصلح في كل زمن؛ بل لا بد من معرفة طبيعة الشخص المدعو، معرفة محيطة، ولا بد من مراعاة طبيعة الزمان والمكان، ولا بد من تقديم الدعوة التي تناسب المدعو ،بحيث تكون سببًا في استقامته وصلاحه، لا في تمرده وعناده، وقد روى الإمام مسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة" إذًا فعلى الداعية أن يعلم أن لكل مقام مقال، وأن ما يطيقه عقل قد لا تطيقه عقول أخرى، فليعرف الداعية هذا ويضعه نصب عينيه.
وقد ورد فيما يتصل بمراعاة ما يناسب المدعو جملة من الأحاديث النبوية منها قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((أمرنا معاشر الأنبياء أن نحدَّث الناس على قدر عقولهم)) وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن ننزل الناس منازلهم)) وقال -صلوات الله وسلامه عليه-: ((حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)). وفي الحديث الأخير إشارة إلى وجوب أن يحدث الدعاة المدعوين بما يناسبهم؛ إذ لو حدثهم الداعية بأسلوب فوق أسلوبهم، أو أسلوب فوق معرفتهم، وفوق حدود عقولهم ما ناسب ذلك المدعوين، بل لربما رد أحدهم بسبب جهله، وعدم معرفته شيئًا من الحق، فأصبح كأنما كذب الله ورسوله؛ ولهذا كان من الحكمة مخاطبة الناس بالعقلية التي يفهمونها، والأفكار التي يتفاعلون معها، كل على حسب سنه، وثقافته والتزامه بالإسلام، انطلاقًا من القاعدة التي أرساها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خلال الأحاديث السابقة؛ لتكون للدعاة منارًا يسيرون على هداه، ونبراسا يستضيئون بنوره.